| 24 مايو 2017 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس الثاني والثلاثون: (9 - 2 - 1436)

التاريخ: 12 - 2 - 1436 الموافق 12/12/2014
عدد الزيارات: 2887

المجلس الثاني والثلاثون: (9 - 2 - 1436)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين، وبعد:
[1/ 443]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] يَقُولُ: لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا فَخَلَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وبإسناده، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " فِي قَوْلِهِ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: هِيَ كَالَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: {كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ".
وبإسناده، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: " فِي قَوْلِهِ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: خَلَقْتَنَا وَلَمْ نَكُنْ شَيْئًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا، ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا ".
وبإسناده، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: " فِي قَوْلِهِ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: كَانُوا أَمْوَاتًا فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] قَالَ: لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حِينَ خَلَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمُ الْمَوْتَةَ الْحَقَّ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. وَقَوْلُهُ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] مِثْلُهَا ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " هُوَ قَوْلُهُ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] يَقُولُ: حِينَ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ حِينَ خَلَقَهُمْ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكُمْ فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فَتُرْجَعُونَ إِلَى الْقُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ؛ فَهُمَا مِيتَتَانِ وَحَيَاتَانِ، فَهُوَ قَوْلُهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ".
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ:
وبإسناده، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] قَالَ: يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ".
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ:
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] الْآيَةُ. قَالَ: كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَخَلَقَهُمْ، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: خَلَقَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ. وَقَرَأَ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] حَتَّى بَلَغَ: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] قَالَ: فَكَسَبَهُمُ الْعَقْلَ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ. قَالَ: وَانْتَزَعَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ الْقُصَيْرَى، فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ، ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] قَالَ: وَبَثَّ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْحَامِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَرَأَ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] قَالَ: خَلْقًا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} [غافر: 11] وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 154] قَالَ: يَوْمَئِذٍ. قَالَ: وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 7] ".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ رُوِّينَاهَا عَنْهُ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ.
فَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] أَيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الْعَرَبِ لِلشَّيْءِ الدَّارِسِ وَالْأَمْرِ الْخَامِلِ الذِّكْرِ: هَذَا شَيْءٌ مَيِّتٌ، وَهَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ؛ يُرَادُ بِوَصْفِهِ بِالْمَوْتِ خُمُولُ ذِكْرِهِ وَدُرُوسُ أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ وَخِلَافِهِ: هَذَا أَمْرٌ حَيٌّ، وَذِكْرٌ حَيٌّ؛ يُرَادُ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَابِهٌ مُتَعَالَمٌ فِي النَّاسِ كَمَا قَالَ أَبُو نُخَيْلَةَ السَّعْدِيُّ:
فَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي وَمَا كُنْتُ خَامِلًا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: فَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي: أَيْ رَفَعْتَهُ وَشَهَّرْتَهُ فِي النَّاسِ حَتَّى نَبُهَ فَصَارَ مَذْكُورًا حَيًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ خَامِلًا مَيِّتًا.
فَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا: أَيْ كُنْتُمْ خُمُولًا لَا ذِكْرَ لَكُمْ، وَذَلِكَ كَانَ مَوْتَكُمْ، فَأَحْيَاكُمْ فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاءً تُذْكَرُونَ وَتُعْرَفُونَ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ كَالَّذِي كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَكُمْ مِنْ دُرُوسِ ذِكْرِكُمْ، وَتَعَفِّي آثَارِكُمْ، وَخُمُولِ أُمُورِكُمْ؛ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِإِعَادَةِ أَجْسَامِكُمْ إِلَى هَيْئَاتِهَا وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا وَتَصْيِيرِكُمْ بَشَرًا كَالَّذِي كُنْتُمْ قَبْلَ الْإِمَاتَةِ لِتَعَارَفُوا فِي بَعْثِكُمْ وَعِنْدَ حَشْرِكُمْ.
وَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ الْإِمَاتَةُ الَّتِي هِيَ خُرُوجُ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ. وَذَلِكَ مَعْنَى بَعِيدٌ، لِأَنَّ التَّوْبِيخَ هُنَالِكَ إِنَّمَا هُوَ تَوْبِيخٌ عَلَى مَا سَلَفَ وَفَرَطَ مِنْ إِجْرَامِهِمْ لَا اسْتِعْتَابٌ وَاسْتِرْجَاعٌ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] تَوْبِيخٌ مُسْتَعْتِبٌ عِبَادَهُ، وَتَأْنِيبٌ مُسْتَرْجِعٌ خَلْقَهُ مِنَ الْمَعَاصِي إِلَى الطَّاعَةِ وَمِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْإِنَابَةِ، وَلَا إِنَابَةَ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَلَا تَوْبَةَ فِيهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ.
وَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ قَوْلِ قَتَادَةَ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ. فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَكَانَتْ بِمَعْنَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا أَرْوَاحَ فِيهَا. وَإِحْيَاؤُهُ إِيَّاهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ: نَفْخُهُ الْأَرْوَاحَ فِيهَا وَإِمَاتَتُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْضُهُ أَرْوَاحَهُمْ، وَإِحْيَاؤُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِي أَجْسَامِهِمْ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَيُبْعَثُ الْخَلْقِ لِلْمَوْعُودِ.
وَأَمَّا ابْنُ زَيْدٍ فَقَدْ أَبَانَ عَنْ نَفْسِهِ مَا قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْإِمَاتَةَ الْأُولَى عِنْدَ إِعَادَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ بَعْدَ مَا أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأَنَّ الْإِحْيَاءَ الْآخَرَ: هُوَ نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِيهِمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْإِمَاتَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ لِلْعَوْدِ إِلَى التُّرَابِ وَالْمَصِيرِ فِي الْبَرْزَخِ إِلَى الْيَوْمِ الْبَعْثِ، وَأَنَّ الْإِحْيَاءَ الثَّالِثَ: هُوَ نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِيهِمْ لَبَعْثِ السَّاعَةِ وَنَشْرِ الْقِيَامَةِ.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْمُتَدَبِّرُ وَجَدَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ الَّذِي زَعَمَ مُفَسِّرُهُ أَنَّ الَّذِيَ وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِهِ تَفْسِيرُهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ خَلْقِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] وَزَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ ثَلَاثَ إِحْيَاءَاتٍ، وَأَمَاتَهُمْ ثَلَاثَ إِمَاتَاتٍ.)).

التعليق:
ذكر الطبري رحمه في هذه الآية أربعة أقوال:
الأول: ما ذكره من رواية السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والرواية الثانية عن ابن مسعود، وقد ذكر نظير هذه الآية، والآية فيها حياتين وموتين، فجعلها المفسرون - والظاهر أنه اتفاق - نظير الآية الأخرى: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11]، مع اختلافهم في أوقات الإحياء والإماتة .
وهذه الرواية وردت عن أبي مالك، ومجاهد، وأبي العالية، وأوضح رواية فيها هي رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التفاصيل، وفيها: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] قَالَ: كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكُمْ فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فَتُرْجَعُونَ إِلَى الْقُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ؛ فَهُمَا مِيتَتَانِ وَحَيَاتَانِ، فَهُوَ قَوْلُهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ".
1- فالعدم = الموت الأول.
2- ثم الخلق الأول = الحياة الأولى .
3- ثم الموت بعد الحياة الأولى = الموت الثاني .
4- ثم البعث = الحياة الثانية .
وجمهور المفسرين على هذا التأويل، وهو توبيخ مع استعتاب، واستشهد الطبري لهذا القول بشاهد شعري من قول أبي نخلية .
فَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي وَمَا كُنْتُ خَامِلًا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ
الثاني: ما ذكره عن أبي صالح، وهو: ((يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ))، ووجهه الطبري أنه خطاب لأهل القبور، وأن توبيخ لا استعتاب معه .
وقد ضعف الطبري قول أبي صالح باستدراك عقلي .
الثالث: قول قتادة، أنهم ((كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَخَلَقَهُمْ، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ))، والفرق بينه وبين القول الأول، أن الأول: يذهب إلى ما قبل النطفة، ولو كان قتادة قد قصد ما قبل النطفة، فإن قوله راجع إلى القول الأول .
ولكن: كأن مراده أن انتقال النطفة هي بداية الحياة الأولى، لكن الطبري اعترض على قول قتادة بعد أن جعله قولًا مستقلًا .
الرابع: قول ابن زيد، وقد أبان عن نفسه، وربط الآيات بعضها ببعض، وجعل ابن زيد الموتة الأولى: ما قبل الميثاق، ثم حياة الميثاق، ثم موت، ثم الحياة الدنيا، ثم الموت، ثم الحياة (البعث)، فهناك ستة مراحل على قول ابن زيد .
وضعف الطبري قول ابن زيد من جهة أن الله ذكر موتتين وحياتين .
على أن ابن زيد ذكر مجموعة من الآيات، يمكن أن تكون محلًا للدراسة في ربط الآيات بعضها ببعض .
وأما البلاغ الذي ذكره ابن زيد، ((قَالَ: وَانْتَزَعَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ الْقُصَيْرَى، فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ، ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.))، وهذا يُعد من مقطوع أتباع التابعين، ويمكننا أن نستفيد منه كون أن القول بأن حواء خلقت من ضلع آدم كان محكيًا في زمن أتباع التابعين .

[1/ 447]
قال الطبري:
((وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَصَفَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، وَأَخْذِهِ مِيثَاقَهُ عَلَيْهِمْ كَمَا وَصَفَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] الْآيَةَ، وَقَوْلَهُ: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَ مَنْ ذَرَأَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ الْإِمَاتَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا فِي الْبَرْزَخِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَيَكُونُ جَائِزًا أَنْ يُوَجَّهَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ إِلَى مَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ.)).

التعليق:
كلام ابن زيد من حيث هو صحيح، ولذلك قال الطبري: ((وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَصَفَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، وَأَخْذِهِ مِيثَاقَهُ عَلَيْهِمْ كَمَا وَصَفَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ...))، فالإشكال ليس في ذات الكلام، وإنما هو في صحة حمل الآية على المعنى المذكور .
قاعدة:
صحة الكلام في ذاته لا يوجب حمل الآية عليه .
وهذه القاعدة يغفل عنها كثير ممن يتعاطى التفسير، فيظنون أن كل ما صح في ذاته صح أن يكون تفسيرًا، وليس الأمر كما ظنوا، فصحته في التفسير له ضوابطه التي لا ينبغي الحيدة عنها، وكذلك في باب الاستنباط، فليست صحته في باب الشرع موجبة لصحة استنباطه من الآيات .
ولذلك لم يعترض الطبري على ذات الكلام من ابن زيد، وإنما اعترض على صحة حمل قوله على الآية، فكلامه يقتضي ثلاث حيوات وثلاث موتات، والآية ليس فيها إلا حياتين وموتين فقط .
فمثلًا: قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)} [سورة: الإسراء].
ففي هذه الآيات كرتين، وتحتمل أكثر من ذلك أخذًا من قوله تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} .
أما الآية التي معنا فلا تدل إلا على ما ذكره الجمهور، ويكننا القول بأن ابن زيد فصل في العدم دون قصد حمل الآية على ذلك، فهو محتمل، لكن قوله على أي حال أضعف من قول الجمهور .

قال الطبري:
((وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَوْتَةُ الْأُولَى: مُفَارَقَةُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ جَسَدَهُ إِلَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ، فَهِيَ مِيتَةٌ مِنْ لَدُنْ فِرَاقِهَا جَسَدَهُ إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا، ثُمَّ يُحْيِيهَا اللَّهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا فَيَجْعَلُهَا بَشَرًا سَوِيًّا بَعْدَ تَارَاتٍ تَأْتِي عَلَيْهَا، ثُمَّ يُمِيتُهُ الْمَيْتَةَ الثَّانِيَةَ بِقَبْضِ الرُّوحِ مِنْهُ. فَهُوَ فِي الْبَرْزَخِ مَيِّتٌ إِلَى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيُرَدُّ فِي جَسَدِهِ رُوحَهُ، فَيَعُودُ حَيًّا سَوِيًّا لِبَعْثِ الْقِيَامَةِ؛ فَذَلِكَ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ.
وَإِنَّمَا دَعَا هَؤُلَاءِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: مَوْتُ ذِي الرُّوحِ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ إِيَّاهُ، فَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ حَيٌّ مَا لَمْ يُفَارِقْ جَسَدَهُ الْحَيَّ ذَا الرُّوحِ، فَكُلُّ مَا فَارَقَ جَسَدَهُ الْحَيَّ ذَا الرُّوحِ فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ فَصَارَ مَيِّتًا، كَالْعُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ مِثْلُ الْيَدِ مِنْ يَدَيْهِ، وَالرِّجْلِ مِنْ رِجْلَيْهِ لَوْ قُطِعَتْ وَأُبِينَتْ، وَالْمَقْطُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ حَيٌّ، كَانَ الَّذِي بَانَ مِنْ جَسَدِهِ مَيِّتًا لَا رُوحَ فِيهِ بِفِرَاقِهِ سَائِرَ جَسَدِهِ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ نُطْفَتُهُ حَيَّةٌ بِحَيَاتِهِ مَا لَمْ تُفَارِقْ جَسَدَهُ ذَا الرُّوحِ، فَإِذَا فَارَقَتْهُ مُبَايِنَةً لَهُ صَارَتْ مَيْتَةً، نَظِيرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ وَوَجْهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ كَانَ بِهِ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُدْوَةِ الَّذِينَ يُرْتَضَى لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلُهُمْ.)).

التعليق:
هذا القول يتضح أنه ليس من أقوال السلف، ولذلك لم يعتد به الطبري رحمه الله، وقولهم قريب من قول قتادة، ((كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَخَلَقَهُمْ، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ))، وهذا القول الذي معنا: يجعل خروج النطفة هي بداية الموتة، وهو محتمل من ناحية العقل، ولذلك اعترض عليه الطبري بأنه محتمل من جهة التأويل، قال: ((وَهَذَا قَوْلٌ وَوَجْهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ كَانَ بِهِ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُدْوَةِ الَّذِينَ يُرْتَضَى لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلُهُمْ.))، فالطبري يرى أنه لا يجوز الخروج عن سياج أهل التأويل، وهذه الفكرة شرحها الطبري في المقدمة فقال: ((والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.
فإذ كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق - في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيل - أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه: إما من جهة النقل المستفيض، فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته؛ وأصحهم برهانا - فيما ترجم وبين من ذلك - مما كان مدركا علمه من جهة اللسان: إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.)).
وهذا السياج قد كسر من كثير من المعاصرين، وهذا ضرب من لجهل المركب، ومن أراد أن يتربى على العلم فلا بد أن ينضبط بكلام أهل العلم، ولا بد من معرفة منطقة الاجتهاد، والمنطقة التي لا يمكن فيها الاجتهاد .
ولا فرق - عندي - بين التأويلية بالمفهوم المعاصر، وبين من يفتح الباب تحت مسمى التدبر أو مثل هذه المصطلحات .
فلا بد من معرفة أن عدم الخروج عن أقوال السلف أصل من أصول التفسير .
إذا رأيت طالب العلم يقول قال ابن كثير، قال القرطبي، قال الشنقيطي، فاعلم أنه لم يأت التفسير من بابه، لأن هؤلاء الأعلام عالة على الصف الأول، فإن لم ترجع إليهم وتفهم التفسير من خلالهم، فاعلم أن في فهمك نقصًا .
وهذه الروايات هي أصل الأصول، فربط هؤلاء بين آيتين - مثلًا - هو دليل، كما تراه من فعل الطبري رحمه الله .
ولنضرب على ذلك مثالًا بتفسير الجلالين، فقد أخذوا جل المعاني من أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، لأن المصادر التي اعتمدوا عليه ترجع إلى هؤلاء، ولهذا من أراد أن يشرح تفسير الجلالين فلا بد من أن يرجع إلى مصادرهما المعتمدة، كتفسير الكواشي، والبيضاوي، وابن كثير، والبغوي، وغيرهم مما ذكره السيوطي في بغية الوعاة .
فبعض الفضلاء اعترض على بعض ما اختاره السيوطي، وإذا رجعت إليه وجدته إما قد أجمع عليه!، أو هو قول جمهور أهل التفسير، والذي أوقعه في هذا الخطأ، تقصيره في الرجوع إلى قول هؤلاء السلف الكرم .

[1/ 450]
((وَأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي بَيَّنَّا بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] الْآيَةُ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] أَمْوَاتَ الذِّكْرِ خُمُولًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ نُطَفًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ، فَأَحْيَاكُمْ بِإِنْشَائِكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا، حَتَّى ذَكَرْتُمْ وَعَرَفْتُمْ وَحَيِيتُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ رُفَاتًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ فِي الْبَرْزَخِ إِلَى يَوْمِ تُبْعَثُونَ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِيكُمْ لِبَعْثِ السَّاعَةِ وَصَيْحَةِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْيِيهِمْ فِي قُبُورِهِمْ قَبْلَ حَشْرِهِمْ، ثُمَّ يَحْشُرُهُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43] وَقَالَ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51] وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ، مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ لِلْقَائِلِينَ بِهِ وَفَسَادُ مَا خَالَفَهُ بِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَبْلُ.)).

التعليق:
قوله: ((الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ))، وقد أورد روايات متعددة في هذا القول، فأورد الرواية بإسناد السدس عن ابن عباس وابن مسعود، وأورد الرواية عن أبي مالك، ومجاهد، وأبي العالية، ورواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكأن الطبري يذهب هما إلى رواية السدي عن ابن مسعود وابن عباس، لأنه لم يذكر باقي الروايات، وهذا يلحق بما سبق الكلام عنه عن رواية السدي، وهذه الرواية لم ترد استقلالًا، لكن كلامه مؤنس هنا بقبولها .

قال الطبري:
((وَهَذِهِ الْآيَةُ تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْقَائِلِينَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَعَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] وَوَبَّخَهُمْ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِي نَكِيرِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ، وَجُحُودِهِمْ مَا جَحَدُوا بِقُلُوبِهِمُ الْمَرِيضَةِ فَقَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فَتَجْحَدُونَ قُدْرَتَهُ عَلَى إِحْيَائِكُمْ بَعْدَ إِمَاتَتِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ بَعْدَ إِفْنَائِكُمْ وَحَشْرِكُمْ إِلَيْهِ لِمُجَازَاتِكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.)).

التعليق:
هنا قضية مهمة في منهج الطبري، وهي ما يمكن أن نسميه، ((اتصال النظم))، فالجمع في قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28]، محتمل أن يكون للعموم، لكن الطبري يقول أن الموجه إليه الخطاب من جهة النظم هم المنافقون، وهو ممن يربط الآيات بعضها ببعض، وهي قضية صالحة للبحث، من حيث النظر السياقي في تفسير الطبري ورده الأقوال المخالفة لهذه الحيثية .
ورده للأقوال المخالفة للسياق على وجهين:
1- إما أن يردها بالكلية .
2- وإما أن يرد إرادته أولًا، وليس بمعنى أنه لا يصح دخوله تحت الآية بالكلية .
وهي قضية مهمة سبق التنبيه عليها، وهي: أن الطبري ينظر إلى المقصود بالخطاب أولًا، ثم ينظر في إدخال غيره في الخطاب من جهة القياس .
فالطبري ينظر هنا إلى قضية السياق، ويرى أن الخطاب أولًا للمنافقين، ثم يعممه من جهة القياس([1]) .

[1/ 451]
قال الطبري:
((ثُمَّ عَدَّدَ رَبُّنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَمَعَ بَيْنَ قَصَصِهِمْ وَقَصَصِ الْمُنَافِقِينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي افْتَتَحَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] نِعَمَهُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى آبَائِهِمُ الَّتِي عَظُمَتْ مِنْهُمْ مَوَاقِعُهَا، ثُمَّ سَلَبَ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِنْهَا بِمَا رَكِبُوا مِنَ الْآثَامِ وَاجْتَرَمُوا مِنَ الْإِجْرَامِ وَخَالَفُوا مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، يُحَذِّرُهُمْ بِذَلِكَ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ كَالَّتِي عَجَّلَهَا لِلْأَسْلَافِ وَالْأَفْرَاطِ قَبْلَهُمْ، وَيُخَوِّفُهُمْ حُلُولَ مَثُلَاتِهِ بِسَاحَتِهِمْ كَالَّذِي أَحَلَّ بِأَوَّلِيهِمْ، وَيُعَرِّفُهُمْ مَا لَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ فِي سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إِلَيْهِ وَتَعْجِيلِ التَّوْبَةِ مِنَ الْخَلَاصِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ.
فَبَدَأَ بَعْدَ تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا عَدَّدَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي هُمْ فِيهَا مُقِيمُونَ بِذِكْرِ أَبِينَا وَأَبِيهِمْ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ كَرَامَتِهِ إِلَيْهِ وَآلَائِهِ لَدَيْهِ، وَمَا أَحَلَّ بِهِ وَبِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ مِنْ عَاجِلِ عُقُوبَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِمَا الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمَا، وَمُخَالَفَتِهِمَا أَمْرَهُ الَّذِي أَمَرَهُمَا بِهِ وَمَا كَانَ مِنْ تَغَمُّدِهِ آدَمَ بِرَحْمَتِهِ إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ إِحْلَالِهِ بِإِبْلِيسَ مِنْ لَعْنَتِهِ فِي الْعَاجِلِ، وَإِعْدَادِهِ لَهُ مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ فِي الْآجِلِ إِذِ اسْتَكْبَرَ وَأَبَى التَّوْبَةَ إِلَيْهِ وَالْإِنَابَةَ، مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وَقَضَائِهِ فِي الْمُسْتَكبِرِينَ عَنِ الْإِنَابَةِ، إِعْذَارًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَإِنْذَارًا لَهُمْ، لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ مِنْهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.
وَخَاصًّا أَهْلُ الْكِتَابِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ قَصَصِ آدَمَ وَسَائِرِ الْقَصَصِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَهَا وَبَعْدَهَا مِمَّا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَجَهِلَتْهُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَعْلَمُوا بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مَبْعُوثٌ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ، إِذْ كَانَ مَا اقْتَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْقَصَصِ مِنْ مَكْنُونِ عُلُومِهِمْ، وَمَصُونِ مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَخَفِيِّ أُمُورِهِمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ عِلْمِهَا غَيْرُهُمْ وَغَيْرُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَقَرَأَ كُتُبَهُمْ.
وَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ كَاتِبًا وَلَا لِأَسْفَارِهِمْ تَالِيًا، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُصَاحِبًا وَلَا مُجَالِسًا، فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ مِنْ نِعَمِهِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ وَتَرْكِهِمْ شُكْرَهُ عَلَيْهَا مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْأَرْضَ وَجَمِيعَ مَا فِيهَا لِبَنِي آدَمَ مَنَافِعُ. أَمَّا فِي الدِّينِ فَدَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَعَاشٌ وَبَلَاغٌ لَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] .)).

التعليق:
أدخل الطبري هنا اليهود مع المنافقين، فقال: ((عَدَّدَ رَبُّنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَمَعَ بَيْنَ قَصَصِهِمْ وَقَصَصِ الْمُنَافِقِينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ))، وذكر أحبار اليهود هنا، لأن قصة آدم مقدمة للدخول في قصص بني إسرائيل .
وهذه الآية مقدمة للدخول في قصة آدم، فكأن هاتين الآيتين انتقال من الحديث عن أحد الفئتين التين سبق الكلام عنهما مجملًا، إلى الحديث عنها تفصيلًا .
فجعل الآية الأولى في المنافقين، والآية الثانية في المنافقين واليهود، ثم ينتقل الحديث من بداية الكلام عن آدم عليه السلام من الكلام عن المنافقين إلى اليهود .
وهذه عناية من الطبري بقضية النظم، وهنا فائدة: أن إدراك منهج الأئمة لا تصلح له القراءة التجزيئية، بمعنى: معرفة رأيه في المسائل منفصلًا عن السياق العام للكتاب .
وقد وضح لدينا عنايته بهذا الجانب من أول الكتاب إلى هذه الآية، فالطبري إمام في قضية ارتباط الآيات والنظم .
وقد جعل الطبري رحمه الله القصص التي قصها الله في القرآن حجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال([2]): ((وَخَاصًّا أَهْلُ الْكِتَابِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ قَصَصِ آدَمَ وَسَائِرِ الْقَصَصِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَهَا وَبَعْدَهَا مِمَّا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَجَهِلَتْهُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَعْلَمُوا بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مَبْعُوثٌ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ، إِذْ كَانَ مَا اقْتَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْقَصَصِ مِنْ مَكْنُونِ عُلُومِهِمْ، وَمَصُونِ مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَخَفِيِّ أُمُورِهِمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ عِلْمِهَا غَيْرُهُمْ وَغَيْرُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَقَرَأَ كُتُبَهُمْ.
وَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ كَاتِبًا وَلَا لِأَسْفَارِهِمْ تَالِيًا، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُصَاحِبًا وَلَا مُجَالِسًا، فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ مِنْ نِعَمِهِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ وَتَرْكِهِمْ شُكْرَهُ عَلَيْهَا مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْأَرْضَ وَجَمِيعَ مَا فِيهَا لِبَنِي آدَمَ مَنَافِعُ.)).
ووجه الحجية: أن المعرفة بهذه القصص خاصٌ بيهود، فذكر النبي لهذه القصص المحوطة لدى أحبارهم دليل على صدق هذا النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا يرد على المستشرقين الذي يدعون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخذ هذا من سفراته إلى الأمم، وسفراته معروفة محفوظة، لا تهيأ له أن يأخذ كل هذه العلوم بهذه الطريقة .
ولو استخدمنا السبر والتقسيم لقلنا: إن تشابه القصص والأسماء بين التوراة والإنجيل والقرآن، يتنزل على عدة احتمالات:
1- أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أخذه من أهل الكتاب .
وهؤلاء يقفون عند هذا الاحتمال لا يتجاوزونه، وهو خلل عظيم في التفكير، فهناك احتمال آخر، وهو:
2- أن يكون مصدر الجميع واحدًا .
وهم لا يذكرون هذا الاحتمال ألبته !، وهو نقص في العلم، وخلل في التفكير .
وتنزلًا نقول: وهناك من يعترض على كتبكم (اليهود والنصارى) بأنها مأخوذة عن السابقين!، فلماذا جعلتم هذه الكتب هي الحجة، وألغيتم الكتب الأخرى ؟!
وإثبات أن القرآن من عند الله أمر يسير، لكن التعبير عنه يتنوع، فقد يتنبه المتأخر إلى أشياء ليست مذكورة عن المتأخرين من جهة الخطاب([3]) .
فالمقصود: أن ربط الآيات بعضها ببعض منهج سائد في تفسير الإمام الطبري رحمه الله تعالى .



(([1])) سئل الشيخ: هل يفرق الطبري بين طبقات الصحابة والتابعين في قبول التفسير ؟
فأجاب: هذه المسألة لم أجد من حررها تحريرًا يشفي، لكن الذي يظهر لي من عمل الطبري:
1- أن التفسير إذا كان من باب المنقول، فإنه يأخذ بقول الصحابة .
2- وإذا كان من باب المعقول فإنه يجعل هذه الطبقات كأنها طبقة واحدة .
ولا يقدم الطبري رأي التابعي إلا لعلة تحتاج إلى بحث، والذي أرتاح إليه: أن الطبري يرى أن التابعين وعاءً لتفسير الصحابة، فعلمهم أثارة لعلم الصحابة، وكذلك أتباع التابعين، فإذا كان ذلك صوبًا، فكأنه يرى أن تلك الأقوال - التي هي من قبيل الرأي - راجعة إلى تفسير الصحابة إما أصالة أو احتمالًا .
ومنهجه يحتاج إلى تتبع ونظر، وقد أشار إلى هذه القضية ابن تيمية، حينما ذكر أن الإسرائيليات التي يذكرها الصحابة فالنفس إليها أسكن، لأنهم ربما أخذوها من النبي صلى الله عليه وسلم .
ودليل هذا الاحتمال: ما يوجد من أقوال متوافقة بين التابعين والصحابة، من دون نسبة إلى الصحابة من قبل التابعين، وهذه عادة الناس أنهم ينشطون لنقل أقوال شيوخهم في أول الأمر، ثم يُترك بعدُ .
(([2])) أشار الشيخ إلى أن د. دراز فصل هذه المسألة، في كتابه ((النبأ العظيم))، وحث على الرجوع إليه .
(([3])) ذكر الشيخ عدة قصص لمن أسلموا بسبب بعض الخطابات في الأخرى .


 
إن مما يؤسف له أن أغلب من ينتج هذه الموسوعات يقصد الربح بتكثير المواد العلمية، مع قلة البرمجة العلمية الموصلة للمعلومة بأيسر طريق... ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع