| 24 مايو 2017 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس الثلاثون: (24 - 1 - 1436)

التاريخ: 2 - 2 - 1436 الموافق 25/11/2014
عدد الزيارات: 2467

المجلس الثلاثون: (24 - 1 - 1436)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

[1/ 427]
قال الطبري رحمه الله:
((وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَسْتَحِي النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَسْتَحِيَهُ؛ فَيَقُولُ: الِاسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْخَشْيَةِ، وَالْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] فَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ وَيَصِفَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [الروم: 28] بِمَعْنَى وَصَفَ لَكُمْ، وَكَمَا قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ ... لِأَسْدَاسٍ عَسَى أَنْ لَا تَكُونَا
بِمَعْنَى: وَصْفُ أَخْمَاسٍ. وَالْمَثَلُ: الشَّبَهُ، يُقَالُ: هَذَا مِثْلُ هَذَا وَمَثَلُهُ، كَمَا يُقَالُ: شَبَهُهُ وَشِبْهُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ
يَعْنِي شَبَهًا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شُبِّهَ بِهِ؛ وَأَمَّا مَا الَّتِي مَعَ مَثَلٍ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ فَمَا فَوْقَهَا مَثَلًا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَمَا قُلْتَ فَمَا وَجْهُ نَصْبِ الْبَعُوضَةِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ، فَالْبَعُوضَةُ عَلَى قَوْلِكَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، فَأَنَّى أَتَاهَا النَّصْبُ؟ قِيلَ: أَتَاهَا النَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا لَمَّا كَانَتْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ: {يَضْرِبُ} [البقرة: 26] وَكَانَتِ الْبَعُوضَةُ لَهَا صِلَةً أُعْرِبَتْ بِتَعْرِيبِهَا فَأُلْزِمَتْ إِعْرَابَهَا كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا ... حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا
فَعُرِّبَتْ غَيْرُ بِإِعْرَابِ مِنِ، فَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَاصَّةً فِي مِنْ وَمَا تُعَرِّبُ صِلَاتَهُمَا بِإِعْرَابِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مَعْرِفَةً أَحْيَانًا وَنَكِرَةً أَحْيَانًا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ، فَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ بَيْنَ وَإِلَى، إِذْ كَانَ فِي نَصْبِ الْبَعُوضَةِ وَدُخُولِ الْفَاءِ فِي مَا الثَّانِيَةِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِمَا، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: مُطِرْنَا مَا زُبَالَةَ فَالثَّعْلَبِيَّةَ، وَلَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا، وَهِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ مَا قَرْنًا فَقَدَمًا يَعْنُونَ: مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي كُلِّ مَا حَسُنَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ دُخُولُ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، يَنْصِبُونَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي لِيَدُلَّ النَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنَ الْكَلَامِ. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ الْمَثَلِ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ بَعُوضَةً مَثَلًا فَمَا فَوْقَهَا. فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَعُوضَةٌ مَنْصُوبَةً بِ يَضْرِبُ، وَأَنْ تَكُونَ مَا الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي فَمَا فَوْقَهَا مَعْطُوفَةً عَلَى الْبَعُوضَةِ لَا عَلَى مَا.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا عِنْدِي لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْبَعُوضَةَ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَتْ أَضْعَفَ خَلْقِ اللَّهِ فَهِيَ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَالضَّعْفِ، وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فَوْقَ أَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنْهُ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَاهُ فَمَا فَوْقَهَا فِي الْعِظَمِ وَالْكِبَرِ، إِذْ كَانَتِ الْبَعُوضَةُ نِهَايَةً فِي الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ، كَمَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ يَذْكُرُهُ الذَّاكِرُ فَيَصِفُهُ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ، فَيَقُولُ السَّامِعُ: نَعَمْ، وَفَوْقَ ذَاكَ، يَعْنِي فَوْقَ الَّذِي وَصَفَ فِي الشُّحِّ وَاللُّؤْمِ. وَهَذَا قَوْلٌ خِلَافُ تَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تُرْتَضَى مَعْرِفَتُهُمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ الَّذِي هُوَ مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَ الْبَعُوضَةِ. فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ لَوْ رُفِعَتِ الْبَعُوضَةُ فَغَيْرُ جَائِزٍ فِي مَا إِلَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْمًا لَا صِلَةَ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ)).

التعليق:
سبق التعليق على قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26]، وذكرنا أن الحياء صفة لله تبارك وتعالى .
لكن يقع الإشكال في كون الاستحياء بمعنى الخشية، وهنا مسألة مرتبطة بلغة العرب، وهو: هل هناك ترادف في اللغة ؟
والجواب: أن الأقرب عدم وجود الترادف التام في اللغة، بمعنى: أن يكون المعنى متفق من جميع الوجوه في لفظين أو ألفاظ، بل لا بد من وجود فروق .
لكن التعبير عن كلمة بما يطابقها، فلا بأس به، كأن تقول: الخشية: خوف مع علم يجلب التعظيم، فهذا يمكن أن يوصل به إلى المدلول المطابق .
وتفسير لفظة بلفظة هو من باب تقريب المعاني، وليس من باب تفسير لفظة بما يطابقها تمامًا، وهذه قاعدة عامة ومهمة في التفسير.
فمن فسر الريب بالشك مثلًا، فإنه يقصد التقريب، لأن في لفظ الريب معنى زائدًا، وعند إرادة تحرير المعنى نحتاج إلى إضافة قيود للوصول إلى الفرق بين الريب والشك .
فمن فسر الاستحياء بالخشية:
1- فإما أن يكون قد قصد نفي الاستحياء، وفسره بالخشية، فهو تأولٌ، وخروج عن الأصل الظاهر.
2- وإما أن يكون ممن أثبت الصفة، ولكنه قرب المعنى، فلا بأس به، فقد يفسر المعنى بالمثال، أو اللازم، أو جزء المعنى .
وعليه فلا بد من الانتباه إلى قاعدة المفسر في النفي والإثبات لصفات الله تعالى، فإن كانت قاعدته الإثبات، وعبر عن المعنى بلازمه حُمل على أصله وهو الإثبات، ولا يصح حينئذٍ وصفه بنفي الصفات .
وذكر معنى الضرب هنا في قوله: { أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26]، أي: يصف وصفًا لكم، ومثله: {مثل الجنة}، أي: وصفها، وذكر الشواهد الشعرية، وشاهد قرآني، وهو قوله سبحانه: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [الروم: 28] بِمَعْنَى وَصَفَ لَكُمْ، وهذا من جهة المعاني ما يسميه العلماء بالنظائر .
والذي جعلنا نحمل معنى الضرب هنا على معنى الوصف هو الطريق السياقي .
وإذا جعلنا آية نظير آية فعندنا احتمالان:
الاحتمال الأول: أن تكون الآية مبينة للآية المسوقة في التفسير، فيكون هذا من باب تفسير القرآن بالقرآن.
الاحتمال الثاني: ألا تكون كذلك، بمعنى أننا نحتاج حينها أن نعرف معنى اللفظ في كلا الحالتين ( معنى يضرب هنا: يبين ويصف. وضرب لكم، أي: وصف لكم) ، قلنا إذا هذه الآية نظير هذه الآية، فلم يدلنا اللفظ ( في: ضرب) على معنى (يضرب) وإنما لما علمنا أنهما بمعنى واحد قلنا هذان نظيران .
وهذا لا يدخل في باب تفسير القرآن بالقرآن، إذ ليس عندنا في الآية الثانية ما يبين مدلول الآية الأخرى، ولو بينت مدلولها لقلنا إنه من باب تفسير القرآن بالقرآن .
ومثله أيضًا استشهاده بشعر الكميت، فلا يُفهم معنى الضرب أنه الوصف بمجرد اللفظ، وإنما لما فهمناه ألحقناه به، فالشاهد يدل على ورود المعنى في لغة العرب فحسب، وهو من باب الإضافة للمعنى .
والقاعدة: ما لم يكن هناك بيان مباشر للفظة فلا يُعد هذا من باب التفسير .
قوله سبحانه: {مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26].
من أفضل وأوسع من تكلم على هذه الآية، السمين الحلبي في الدر المصون .
وقد ذكر الطبري أن البعوضة منصوبة، فمن أين أتاها النصب، وقد ذكر أوجهًا:
1- أنها من قبيل البدل، وهو قوله: ((وَكَانَتِ الْبَعُوضَةُ لَهَا صِلَةً أُعْرِبَتْ بِتَعْرِيبِهَا فَأُلْزِمَتْ إِعْرَابَهَا)).
2- أن يكون في الكلام حذفًا، ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ بَيْنَ وَإِلَى، إِذْ كَانَ فِي نَصْبِ الْبَعُوضَةِ وَدُخُولِ الْفَاءِ فِي مَا الثَّانِيَةِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِمَا))، وأن لفظ (بعوضة) أخذت النصب من بين، وذكر الشواهد على ذلك، وهذا اختيار الفراء.
3- أن ما صلة (زائدة)، وهذا قول الأخفش غير أنه عبر بزائدة في معانيه .
والقول بالزيادة إن قُصد به أنه لا فائدة منه، فهو غلط، والتعبير بالزيادة خلاف الصواب، فلا يوجد في القرآن ما وجوده كعدمه.
وبعض علماء العربية يقصد بالزيادة: الزيادة في الإعراب، أي أنها من جهة الإعراب زائدة، مثل ما قيل:
خذها مني فائدة ... ما بعد إذا زائدة
فهل الحرف له معنى زائد أم لا ؟
إن كان له معنى زائد، فهو من جهة الإعراب فقط، وليس من جهة المعنى .
وللفصل بين الفريقين يمكن أن نقول أن الكلام قد يؤدى بطرق مختلفة، فقد يؤدى بدون زيادة، ويمكن أن يضاف للكلام حرفٌ فيزيد المعنى تخصيصًا .
مثال ذلك: قوله تعالى: {هل من خالق إلا الله}، فلو تركت {من}، لأفادت المعنى، لكن وجودها أفاد معنى زائدًا، ففقدانها يؤثر على المعنى الزائد، فهي أبلغ في النفي مما لو لم توجد {من} .
وهناك قضية أخرى:
هل من الأدب مع الله استخدام لفظ الزائد مع كلام الله ؟
والجواب: أن العلماء المتقدمين، تعاطوا لفظ الزيادة، ولم يستشكلوه، وبعضهم عبر بالصلة، لكن رأى بعض المعاصرين أنه ليس من باب الأدب، والأولى أنه لو وجد تعبير أدق مع التزام الأدب الكامل فهو أولى، لكن لا يثرب على من استخدم هذا اللفظ من المعاصرين، ولا من المتقدمين من باب أولى .
وقوله: ((فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا عِنْدِي، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْبَعُوضَةَ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ)).
فالمعنى: فما هو أقوى منها، وهو الظاهر من الكلام .
ثم أورد قول الأخفش: ((وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ، كَمَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ يَذْكُرُهُ الذَّاكِرُ فَيَصِفُهُ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ، فَيَقُولُ السَّامِعُ: نَعَمْ، وَفَوْقَ ذَاكَ، يَعْنِي فَوْقَ الَّذِي وَصَفَ فِي الشُّحِّ وَاللُّؤْمِ.)).
فهذا قول الأخفش، وقد استدل له من كلام العرب، وهو موجود في كلامهم .
وقد اعترض الطبري عليه بأنه خلاف تأويل أهل العلم الَّذِينَ تُرْتَضَى مَعْرِفَتُهُمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فقال: ((وَهَذَا قَوْلٌ خِلَافُ تَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تُرْتَضَى مَعْرِفَتُهُمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ الَّذِي هُوَ مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَ الْبَعُوضَةِ. فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ لَوْ رُفِعَتِ الْبَعُوضَةُ فَغَيْرُ جَائِزٍ فِي مَا إِلَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْمًا لَا صِلَةَ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ)).
فالاحتمال العربي يحتمل: أن يكون في الصغر والقلة، ويحتمل أن يكون في الكبر والقوة .
فتفسير قتادة وابن جريج يجعلونها أكبر منها في الكبر والقوة، وتفسير الأخفش بخلاف هذا، فبينهما تضاد .
ومن جهة الاحتمال العربي لا إشكال في قول الأخفش، لكن الإشكال أن الذين سبقوا الأخفش فسروه بمعنىً يناقض ما فسر به قتادة وابن جريج، فرد الطبري قول الأخفش، ونبه على أن هؤلاء الذين ترتضى معرفتهم بتأويل القرآن .
وأما إن قيل: يمكن أن يكون قيل القول بدون أن ينقل لنا .
فالجواب: أن هذا مما قد يهدم العلوم، وهو خلاف الصواب، فنحن نتحاكم إلى الموجود لا إلى المعدوم .
فائدة:
يُكثر الطبري من النقل عن أبي عبيدة، والفراء، والأخفش ويجعل أقاويلهم دون أقوال السلف.
تنبيه:
الدراسات الجامعية الحالية ترتكب خطأً في الحكم على عقيدة المفسر من خلال بعض الصفات دون بعض، والأصل أن يُحكم على المفسر من خلال مسائل الاعتقاد كلها، وإلا فالأصل أن يحكم على الموجود دون ما لا يوجد .
والأصل في الحكم بين الناس أن يكون بالعدل، ولو حصل أن نسب مفسرٌ إلى عقيدة ما، فإن هذا لا يمنع الاستفادة منه، ولا يعرف أن أحدًا من أهل العلم يقول بهذه الطريقة إلا مع أفراد قلائل، بل ما زال أهل العلم يستفيدون منهم ومن كتبهم مع أنهم نسبوا إلى عقائد مخالفة .
تنبيه:
يصل الأمر ببعض الناس لإثبات ما يسميه إعجازًا في الكتاب = أن يُحرف معاني القرآن عن وجهتها .
ومما ينبه عليه أن تأويل الآيات بما لم يُسبق له اكتشاف إلا في العصر الحاضر لا يسوغ، ولذلك فإن من سبق هؤلاء - كطنطاوي جوهري - كان يعتقد بما فسره أنه حقائق ثابتة .
وتفريق بعضهم بين الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي، تحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد .

[1/ 431]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 26] فَأَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَقَوْلُهُ: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] يَعْنِي فَيَعْرِفُونَ أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ مَثَلٌ .
كَمَا حَدَّثَنِي بِهِ وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِهِ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ " قَوْلُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّحْمَنِ وَأَنَّهُ الْحَقُّ مِنَ اللَّهِ " {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُهُ: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 26] يَعْنِي الَّذِينَ جَحَدُوا آيَاتِ اللَّهِ وَأَنْكَرُوا مَا عَرَفُوا وَسَتَرُوا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ حَقٌّ. وَذَلِكَ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَشُرَكَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَيَقُولُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] الْآيَةُ، قَالَ: يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَهْدِيهُمُ اللَّهُ بِهَا وَيُضَلُّ بِهَا الْفَاسِقُونَ. يَقُولُ: يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ " وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] مَا الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَثَلِ مَثَلًا، فَذَا الَّذِي مَعَ مَا فِي مَعْنَى الَّذِي وَأَرَادَ صِلَتَهُ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَثَلِ .)).

التعليق:
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26]، هذا تفصيل لكيفية تلقي المثل من قبل الطائفتين:
1- طائفة المؤمنين .
2- طائفة الكفار .
فأما الذين آمنوا فاتبعوه، وأقروا به، واستشهد على ذلك بخبر الربيع بن أنس، ((أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِهِ))، وأورد الخبر بمعناه عن قتادة .
والخطاب في قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 26]، للمنافقين، فأدخلهم في الخطاب أولًا للسياق، ثم أدخل معهم من يصلح له الخطاب، قال: ((وَذَلِكَ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَشُرَكَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَيَقُولُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)).
وقد ناقش في الآيات السابقة أن المعني بالآيات هم أهل النفاق، وهذا لا يمنع من دخول غيرهم في الآيات .
والطبري يناقش من الذي أريد بالخطاب أولًا، وثم فرق بين معرفة من أريد بالخطاب، وبين من يمكن حمل الخطاب عليهم .

[1/ 432]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِهِ وَالْهَاءُ فِي بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَثَلِ. وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ .
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ؛ فَيَزِيدُ هَؤُلَاءِ ضَلَالًا إِلَى ضَلَالِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ وَأَنَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ مُوَافِقٌ، فَذَلِكَ إِضْلَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِهِ {وَيَهْدِي بِهِ} [البقرة: 26] يَعْنِي بِالْمَثَلِ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى هَدَاهُمْ وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ، لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مُوَافِقٌ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا وَإِقْرَارُهُمْ بِهِ وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِهِ " وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ يُضِلُّ بِهِ هَذَا وَيَهْدِي بِهِ هَذَا. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْكَلَامُ وَالْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] وَفِيمَا فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31] مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26].)).

التعليق:
أثر السدي جعله في المنافقين، وهو ما اعتمده الطبري فيما سبق .
وهنا مسألة في الوقف والابتداء، وهو قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، فالآية محتملة لأمرين:
1- أن يكون كلامٌ مبتدأ من الله تعالى، وعلى هذا سار الطبري في التفسير .
2- أن يكون من كلام المنافقين، وهذا حكاه الفراء، وبنى عليه علماء الوقف والابتداء وقفًا وناقشوه، وهو دليل أن الوقف والابتداء مبني على المعنى .
والصحيح: أنه من كلام الله تعالى، وقد استدل له بنظير آخر، وهو آية المدثر، {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31]، وهذا من قبيل البيان، وتفسير القرآن بالقرآن .

[1/ 434]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26].
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ، وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] هُمُ الْمُنَافِقُونَ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] فَسَقُوا فَأَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى فِسْقِهِمْ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَصْلُ الْفِسْقِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ مِنْهُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ، إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا؛ وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً، لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ سُمِّيَا فَاسِقَيْنِ لِخُرُوجِهِمَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمَا، وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] يَعْنِي بِهِ: خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ .)).

التعليق:
اعتمد الطبري هنا إسناد السدي مع استشكاله السابق .
وقول قَتَادَةَ: " {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] فَسَقُوا فَأَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى فِسْقِهِمْ " = تنبيه منه رحمه الله أن هذا الجزاء لهم من الله تعالى كان على فسقهم وليس منه ابتداءًا.
وهذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة، وهي أنه إذا ضل العبد ولم يرجع لمولاه فإن الله يعاقبه بزيادة الضلالة.
والفسق في لغة العرب خروج فيه معنى الإفساد .


 
وأحب أن أذكر بأمر مهم جدًّا، وهو أن بعض من يقوم بمثل هذا الصنيع قد يحتجُّ بعمل بعض المتقدمين، فقد كان بعضهم قد يضمن كتابه فصولاً من كلام غيره دون ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع