| 24 مايو 2017 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس التاسع والعشرون: (17 - 1 - 1436)

التاريخ: 1 - 2 - 1436 الموافق 24/11/2014
عدد الزيارات: 2027

المجلس التاسع والعشرون: (17 - 1 - 1436)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
[1/ 422]
قال الطبري رحمه الله:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَفِي تَأْوِيلِهَا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] وَقَوْلُهُ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] الْآيَاتُ الثَّلَاثُ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] ".
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا، إِنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا سَمُنَتْ مَاتَتْ، وَكَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ، إِذَا امْتَلَئُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] " الْآيَةُ.
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا خَلَتْ آجَالُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُمْ، صَارُوا كَالْبَعُوضَةِ تَحْيَا مَا جَاعَتْ وَتَمُوتُ إِذَا رَوِيَتْ؛ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ إِذَا امْتَلَئُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ فَأَهْلَكَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] ".
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ، وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] أَيْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ مِنْهُ شَيْئًا مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ إِنَّ اللَّهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، قَالَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ: مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ وَالذُّبَابَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ يُذْكَرَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] " .
وَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ قَائِلٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ مَذْهَبًا، غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُ بِالْحَقِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا عُقَيْبَ أَمْثَالٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ضَرَبَهَا لِلْمُنَافِقِينَ دُونَ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا فِي سَائِرِ السُّوَرِ غَيْرَهَا. فَلَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} [البقرة: 26] جَوَابًا لِنَكِيرِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَحَقَّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ.)).

التعليق:
ذكر الطبري الرواية عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة من طريق السدي المعروف، وفيه ربط للآيات بعضها ببعض، فكأن الآيات تتمة حديث عن المنافقين الذين سبق الكلام عنهم .
وفي هذا المثل فائدة:
وهي قول المنافقين: (اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ).
وهي شبهة ترد كثيرًا على عقول بعض الناس، وهي متكررة في كل عصر .
ولا بد من الانتباه إلى التفريق بين جانب التسليم، وبين الأسئلة العقلية، فمن استخدم عقله دون أن يكون على جانب من التسليم = ضل .
فهؤلاء زعموا أن الله تعالى منزه عن ضرب هذه الأمثال الحقيرة في وجهة نظرهم هم، وما زال بعض من يشبه هؤلاء يذكرون مثل هذه الشبه .
فضعف التسليم، مع تحكيم العقول، سبب من أعظم أسباب الخذلان .
وبعض الملاحدة في عصرنا - وهم ممن ينسب إلى الإسلام - حكموا عقولهم، وأوجبوا للقرآن أو السنة ما لا يلزم، وأثاروا الشبه بأن بعض النصوص فيها مخالفة للعقل.
ونحن عندنا جانبين في العقل:
الجانب الأول:
أنه لا يدخل أحدٌ هذا الدين إلا بعقل، فإذا دخله بعقل يجب على هذا العقل أن يقف على جانب التسليم .
والجانب الثاني:
أن الله سبحانه وتعالى فعالٌ لما يريد، وهذه قاعدة كلية يجب أن تؤخذ بالتسليم، فإذا وردنا شيء في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجب علينا التسليم له.
وكبار عقلاء قريش، من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة، لم يستشكلوا هذا الأمر، بل سلموه .
والرواية الثانية عن الربيع بن أنس، ويقول: بأن هذا مثلًا للدنيا، فجعل البعوضة مثلًا، والفرق بينه وبين القول الأول: تحديد ضرب المثل بالدنيا، أما الأولون فلم يحددوا لم ضرب المثل .
ورواية قتادة: فيه ذكر العنكبوت، وسرة العنكبوت مكية، والذباب ذكر في سورة الحج، وهي من السور المختلف فيها .
وذكر الطبري أن لكل واحد مذهب .
وقوله: ((وَأَشْبَهَهُ بِالْحَقِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.))، مشعر بقبول الرواية عنهما .
والأقوال في الآية:
1- أن القول من أقوال المنافقين، وهو قول ابن مسعود وابن عباس .
2- أن هذا قول المشركين، وهو قول قتادة .
3- أن هذا مثل للدنيا، وهو قول الربيع .
ثم علل الطبري لاختياره بالسياق، وهو ممن له عناية فائقة به .
وهذا المثل في الآية مرتبط بالمنافقين، ولا علاقة للمشركين به، وتنزيل قتادة لا يستقيم مع السياق، فالآية مدنية، وكلامه عن المشركين.
ولذا قال ابن جرير: ((فَلَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} [البقرة: 26] جَوَابًا لِنَكِيرِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَحَقَّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ.)).
فقد استخدم الطبري هنا قاعدة السياق .
وقد قال الطبري عن إسناد السدي، قبل ذلك: ((وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا حَضَرُوا مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ فَرَقًا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ شَيْءٌ، أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَلَسْتُ أَعْلَمُهُ صَحِيحًا، إِذْ كُنْتُ بِإِسْنَادِهِ مُرْتَابًا؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُمَا هُوَ الْقَوْلُ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ صَحِيحٍ، فَأَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قُلْنَا.)).
وهذا يُظهر تمييز عقل الطبري في الاختيار بين المتون، وقد قال الطبري هنا إن كان القول ثابتًا عنهما فهو القول، لأن المسألة مرتبطة بأسباب النزول، وهي مما يرجع فيها إلى الصحابة .
وحين يستشكل الطبري المعنى، فهو ينبه إلى الإسناد .
وقد أوردناه هنا، لأنه اعتمد على الرواية اعتمادًا كليًا وأضاف إليها قرينة السياق .
والإشكالية التي أشار إليها الطبري أن الآية على قول قتادة مدنية، فكلامه يوحي بأنها عنده من القرآن المكي والذي حكمه مدني.
أما على كلام الطبري فهي من القرآن المدني والذي حكمه مدني.

((فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي سَائِرِ السُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُمْ وِلِآلِهَتِهِمْ فِي سَائِرِ السُّوَرِ أَمْثَالٌ مُوَافِقَةُ الْمَعْنَى، لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا، إِذْ كَانَ بَعْضُهَا تَمْثِيلًا لِآلِهَتِهِمْ بِالْعَنْكَبُوتِ وَبَعْضُهَا تَشْبِيهًا لَهَا فِي الضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ بِالذُّبَابِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ فِي الْحَقِّ مِنَ الْأَمْثَالِ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ابْتِلَاءً بِذَلِكَ عِبَادَهُ وَاخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ لِيَمِيزَ بِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِهِ إِضْلَالًا مِنْهُ بِهِ لِقَوْمٍ وَهِدَايَةً مِنْهُ بِهِ لِآخَرِينَ.
كَمَا حَدَّثَنِي وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِهِ: " {مَثَلًا مَا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] يَعْنِي الْأَمْثَالَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا، يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَهْدِيهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَيُضِلُّ بِهَا الْفَاسِقِينَ. يَقُولُ: يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ " .
... قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَصَدَ الْخَبَرَ عَنْ عَيْنِ الْبَعُوضَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا، وَلَكِنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ أَضْعَفَ الْخَلْقِ .
كَمَا حَدَّثَنَا وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «الْبَعُوضَةُ أَضْعَفُ مَا خَلَقَ اللَّهُ» .
وبإسناده، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنَحْوِهِ: «خَصَّهَا اللَّهُ بِالذِّكْرِ فِي الْقِلَّةِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ، لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ، أَقَلَّ الْأَمْثَالِ فِي الْحَقِّ وَأَحْقَرَهَا وَأَعْلَاهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فِي الِارْتِفَاعِ جَوَابًا مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لِمَنْ أَنْكَرَ مِنْ مُنَافِقِي خَلْقِهِ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْمَثَلِ بِمُوقِدِ النَّارِ وَالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَا نَعَتَهُمَا بِهِ مِنْ نِعَتِهِمَا» .)).

التعليق:
أورد الطبري الاعتراضات التي يمكن أن ترد على قوله، فقال: ((فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي سَائِرِ السُّوَرِ))، وهذا قول قتادة .
ورد عليه بقوله: ((فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ فِي الْحَقِّ مِنَ الْأَمْثَالِ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ابْتِلَاءً بِذَلِكَ عِبَادَهُ وَاخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ لِيَمِيزَ بِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِهِ إِضْلَالًا مِنْهُ بِهِ لِقَوْمٍ وَهِدَايَةً مِنْهُ بِهِ لِآخَرِينَ.))، فليست البعوضة مقصودة بذاتها، وإنما المراد التعبير عن القلة، فهي تذكر عند العرب للقلة والتحقير .
والطبري يشير إلى قاعدة مهمة، وهي: أن الدنيا قائمة على الابتلاء، والإنسان إذا فهم غير هذا فإن الخلل يصيبه .
فالله تعالى خلق الموت والحياة للابتلاء، ورفع الناس بعضهم فوق بعض ابتلاءً، وهكذا .
وما قصه الله تعالى من قصص الأنبياء وابتلاءاتهم هي خير شاهد على هذا الأمر .
وهناك نظرتين ينبغي على المؤمن أن يحققها في جانب الابتلاء:
الأولى: نظرٌ منه إلى غيره: فينظر إلى غيره، إذا كان الله لم يبتليه مثله، فيحمد الله على ذلك، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثير من الناس وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلا.
الثانية: نظرٌ منه إليه: وذلك أنه في حال ابتلائه هو، فإن هناك عبودية ابتلاء ينتظرها الله تعالى منه في حال الابتلاء ولا يمكن للمرء أن يحقق هذه العبودية إلا في هذا المقام.
ومثال ذلك يوسف عليه السلام ابتلي بالرق، وظلم   وسجن، ومع ذلك لم يفسد عليه ذلك جانب عبوديته لله. وقس على ذلك غيره من الأنبياء، مثل: إبراهيم وأيوب وموسى عليهم السلام.
ومن أكبر النعم لله على العبد أن جانب العبودية لا ينقطع ولا ينفك عنه حتى ولو كان طريح الفراش.
وقول الطبري: (كما حدثني) = من طرقه في الاستدلال، ثم قال: ((لَا أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَصَدَ الْخَبَرَ عَنْ عَيْنِ الْبَعُوضَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا)).
وهي قضية مهمة، فبعض الناس يظن أن البعوضة ذكرت قصدًا، كمن يحكي أنه وجد على البعوضة كائنًا أصغر منها، ونحو ذلك = فهذا جهل بنظم القرآن، وكلام العرب، فالبعوضة ذكرت كمثال للضعف، ويحسن هنا أن نرجع إلى طريقة العرب في ضرب الأمثال، وهي عاداتها في مجاري كلامها، وأول من يبين لنا مجاري كلام العرب هم السلف .


قال الطبري:
((فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَأَيْنَ ذِكْرُ نَكِيرِ الْمُنَافِقِينَ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفْتَ الَّذِي هَذَا الْخَبَرُ  جَوَابُهُ، فَنَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتَ؟ قِيلَ: الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بَيَّنَهَا جَلَّ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] وَإِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ فِي الْآيَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ، اللَّتَيْنِ مَثَّلَ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ مُقِيمُونَ فِيهِمَا بِمُوقِدِ النَّارِ وَبِالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] قَدْ أَنْكَرُوا الْمَثَلَ وَقَالُوا: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] فَأَوْضَحَ خَطَأَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ، وَقَبَّحَ لَهُمْ مَا نَطَقُوا بِهِ وَأَخْبَرَهُمْ بِحُكْمِهِمْ فِي قِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْهُ، وَأَنَّهُ ضَلَالٌ وَفُسُوقٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ وَالْهُدَى مَا قَالَهُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ مَا قَالُوهُ.)).

التعليق:
هذا توضيح للسياق الذي ذكره، وشرح لنفس الفكرة التي ذكرها قبل، وقد مزج ابن جرير بين الخبر وبين السياق الذي يخدم هذا الخبر؛ لأن الخبر بأن المنافقين أنكروا لا يمكن أن يؤخذ إلا من الرواية - وهي رواية ابن مسعود وابن عباس-.

[1/ 427]
قال الطبري:
((وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَسْتَحِي النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَسْتَحِيَهُ؛ فَيَقُولُ: الِاسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْخَشْيَةِ، وَالْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ.)).

التعليق:
انتقل الطبري إلى معنى {يَسْتَحْيِي} .
والحياء صفة ثابتة لله تعالى، بدلالة السنة، ودلالة الآية، ومن ذلك: (( ... إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفراً خائبتين))([1]).
ونفيها هي طريقة بعض المؤولة، ولا يلزم جريان هذا القول من كبار علماء المسلمين قبوله، لأن الطبقات الأولى، يثبتونها ويجرونها على ظاهرها، فالنافي يلزمه الدليل .
روى الحاكم في ((المستدرك))، بسند صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: ((قرأ عبد الله (يعني: ابن مسعود) رضي الله عنه: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} ؛ قال شريح: إنَّ الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم، فقال: إنَّ شريحاً كان يعجبه رأيه، إنَّ عبد الله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرأها: {بَلْ عَجِبْتُ} )) .
وإيراد التأويل في هذه الصفات تحكم عقلي، وهو ما لا يصح، وتفصيل هذا الكلام في كتب العقائد .



(([1])) رواه: الترمذي واللفظ له، وأبو داود، وأحمد، والحاكم.
قال الهرَّاس: ((وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر)) .


 
لا أعرف أن لابن جرير كتابًا مطبوعًا ولا مخطوطًا كذلك في أصول الأحكام، إذ كتابه في هذا الباب يُعدُّ من المفقودات... ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع