| 24 مارس 2019 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


كيف نجادل من زعم وجود أخطاء لغوية في القرآن ؟

التاريخ: 7/8/1434 الموافق 16/06/2013
عدد الزيارات: 2369

 

لا زلت أستغرب كيف يجادل المخالف ممن فيه مسكة من عقل في هذه الأمور، أتُراه يريد أين يكون أجهل من أبي جهل، لقد كان العرب متوافرين والقرآن ينزل بين ظهرانيهم، وهم الحجة في معرفة كلامهم من مفرداته وتراكيبه وأساليبه، فهل استنكروا منه شيئًا؟

إن من يتطاول اليوم على القرآن بالإبطال من جهة اللغة أو البلاغة أو غيرها إنما يصف نفسه بالجهل المطبق جدًّا.

قال الطاهر بن عاشور: (روى أن ابن الراوندي - وكان يزن بالإلحاد - قال لابن الأعرابي: أتقول العرب: لباس التقوى؟

فقال ابن الأعرابي: لا بَاسْ لا بَاسْ، وإذا أنجى الله الناس، فلا نَجَّى ذلك الرأس.

هبك يا ابن الرواندي تنكر أن يكون محمد نبيا، أفتنكر أن يكون فصيحًا عربيًا؟).

ثم إنه معلوم من أمر المستشرقين المغرضين أنهم لا يخضعون في نقاشهم إلى الأسلوب العلمي الحيادي الجادِّ، بل قصدهم التهويش والتزييف، فأنَّى لك أن تُقنِعهم، وليس على هؤلاء لومٌ؛ لأن هؤلاء يخالفونك من أول الطريق، ولهم هدف يريدون الوصول إليه، لكن اللوم كل اللوم على من هو من بني جلدتنا ويتلقف أفكارهم وآراءهم على أنها وحي مسلَّم لا يقع فيه الخطأ ويبثه عبر وسائل الإعلام أو قاعات التدريس على طلابه.

وإنني أقول: إنَّ عندنا زمرة من الناس لا ينفع معها الجدل؛ لأن الجدل للوصول إلى الحق ليس هو مطلبها، وإنما مرادها الجدل لذات الجدل، كما كان بعض المتكلمين من المعتزلة يفعلون ذلك أيام فورتهم وثورتهم، وقد حكى طرفًا من أخبارهم أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث(1)، قال: (وكنت أسمعهم يقولون: إن الحق يدرك بالمقايسات والنظر، ويلزم من لزمته الحجة أن ينقاد لها، ثم رأيتهم في طول تناظرهم وإلزام بعضهم بعضا الحجة في كل مجلس مرات لا يزولون عنها، ولا ينتقلون.

وسأل رجل من أصحاب هشام بن الحكم رجلا من المعتزلة فقال له: أخبرني عن العالم هل له نهاية وحد؟

فقال المعتزلي: النهاية عندي على ضربين: أحدهما نهاية الزمان من وقت كذا إلى وقت كذا، والآخر نهاية الأطراف والجوانب، وهو متناه بهاتين الصفتين.

ثم قال له: فأخبرني عن الصانع ـ عز وجل ـ هل هو متناه؟

فقال: محال.

قال: فتزعم أنه يجوز أن يخلق المتناهي من ليس بمتناه؟

فقال: نعم.

قال: فَلِمَ لا يجوز أن يخلق الشيء من ليس بشيء، كما جاز أن يخلق المتناهي من ليس بمتناه؟

قال: لأن ما ليس بشيء هو عدم وإبطال.

قال له: وما ليس بمتناه عدم وإبطال.

قال: لا شيء هو نفي.

قال له: وما ليس بمتناه نفي.

قال: قد أجمع الناس على أنه شيء إلا جهما وأصحابه.

قال: قد أجمع الناس أنه متناه.

قال: وجدت كل شيء متناه محدثا مصنوعا عاجزا.

قال: ووجدت كل شيء محدثا مصنوعا عاجزا.

قال: لما أن وجدت هذه الأشياء مصنوعة علمت أن صانعها شيء.

قال: ولما أن وجدت هذه الأشياء متناهية علمت أن صانعها متناه.

قال: لو كان متناهيا كان محدثا إذ وجدت كل متناه محدثا.

قال: ولو كان شيئا كان محدثا عاجزا إذ وجدت كل شيء محدثا عاجزا، وإلا فما الفرق؟

فأمسك.

قال: وسأل آخر آخر عن العلم، فقال له: أتقول أن سميعا في معنى عليم؟

قال: نعم.

قال: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير﴾ هل سمعه حين قالوه؟

قال: نعم.

قال: فهل سمعه قبل أن يقولوا؟

قال: لا.

قال: فهل علمه قبل أن يقولوه؟

قال: نعم.

قال له: فأرى في سميع معنى غير معنى عليم؟ فلم يجب.

قال أبو محمد: قلت له وللأول: قد لزمتكما الحجة فلم لا تنتقلان عما تعتقدان إلى ما ألزمتكماه الحجة؟

فقال أحدهما: لو فعلنا ذلك لانتقلنا في كل يوم مرات. وكفى بذلك حيرة.

قلت: فإذا كان الحق إنما يعرف بالقياس والحجة، وكنت لا تنقاد لهما بالاتباع كما تنقاد بالانقطاع فما تصنع بهما؛ التقليد أربح لك والمقام على أثر الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بك).أ.هـ.

ومن يجادل على هذه الكيفية لا يمكن أن تصل معه إلى شيء أبدًا.

وهناك قضية أخرى فيما يتعلق بالجدل، وهي أنك أحيانًا ترفع من شأن المجادِل، وهو لا يستحق ذلك، فمن الأولى تركه وعدم الجدل معه، وذلك يحتاج إلى حكمة لمعرفة متى يكون الترك أولى من الجدل، ومتى يكون الجدل أولى من الترك.

وقضية أخرى كذلك، وهي أن الجدل مع بعض الناس لا خير فيه، كمن لا يدينون بدين من الملحدين أو المرتدين الذين لا يملكون ما يخسرونه، فما مثل مجادلة أولئك إلا كمثل رجل ـ أكرمكم الله ـ قد خرج من توِّه من بيارة، وهو متسخ منها، وأنت قد خرجت من بيتك بهندامك النظيف، فقال لك: تعال لنتعارك؟

فمن الخاسر في مثل هذا المقام؟

إن من أهم أصول الجدل التي تفتقدها كثير من المجادلات مع الخصوم هو الاحتكام إلى أصول ثابتة مقنعة متفق عليها بين المتجادلين، وذلك أول الطريق إلى الوصول إلى الحق إن كان الجدل من أجل الوصول إلى الحق، لكن الملاحظ هذه الأيام أن أغلب المجادلات إنما يراد بها: إما الانتصار للنفس، وإما إثارة الشبه فحسب، أما الجدال من أجل الوصول إلى الحق فقليل جدًّا.

كثيرًا ما نغفل عن التسلسل التاريخي لبعض الأمور، فنُصدم بشبه نظنها حقائق، وهي في الحقيقة واهنة كوهن بيت العنكبوت لا تكاد تتماسك أمام الحقيقة إذا ظهرت.

لكن قد يبقى تعلق بعض ضعاف النفوس ببعض الشبه، وهذه تحتاج إلى إزالة، فمن منَّ الله عليه بالقدرة على الجدل، ومعرفة المداخل والمخارج منه، فإنه يمكنه إزالتها ـ بإذن الله ـ ولو كان علمه ناقصًا؛ فإن كثيرًا من الشبه تحتاج إلى عقل أكثر منها إلى علم، فإذا اجتمعا كان عين المراد.

وأنا لا أستهين بالمستشرقين وخطورتهم، لكني رأيتهم في كثير من الأحيان يستخدمون حججًا كحجج الصبيان فيتلقفها من لا علم له بالشريعة على أنها فتح وإضاءة في تراث المشارقة، وإنهم يجب أن يأخذوا به، وتراهم يجادلون ويدافعون عنها، ويكتبون فيها صباح مساء لا يفترون، فأحببت أن ألفت إلى من يريد جدال هؤلاء إلى ما ذكرت.

إنني أقول - وأحكي واقعًا دخلته وشاهدته من هذه المناقشات مع مستشرقين أو مخالفين في الدين أو مخالفين في الاعتقاد -: إننا بحاجة إلى عقلٍ جَدِلٍ يُفكِّكُ أساليب هؤلاء وتلاعبهم بتراثنا، أكثر من حاجتنا لعالمٍ لا يدرك أصول الجدل، فإذا اجتمع العلم والعقل الجدلي كان نورًا على نورٍ.

وأنا لا أردُّ أحدًا يذود عن الدين، وقد نبَّهت أن بعض الذين يدخلون في مجادلات لا علم عندهم لا بالشرع ولا بالجدل، وإنما عندهم الحماس والغيرة، ولا زلت أردِّد كثيرًا: إننا أمة من طبيعتها التنوُّع في عمل الخير، فالله يقيضُ لكل عملٍ رجاله، فللجهاد رجاله، وللعلم رجاله، وللخصومات رجالها، لكن أن يدخل من لا يُحسِن فيما لا يحسن فهذا الذي أعترض عليه يا أخي الفاضل.

ومن ثَمَّ، فإنني أتمنى أن تُنشأ (دورات علمية تدريبية) لمن يريد الردَّ أو الجدل على المخالف ليكون ردُّه وجدله ناجعًا.



(1) (ص: 63 - 65).


 
إن البحث في النصوص على مسائل العلوم من أنفس ما يمكن أن لطالب العلم طلبه ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع