| 18 إبريل 2019 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


وضع الظاهر موضع الضمير أسلوب من أساليب العموم في القرآن

التاريخ: 17/ 4/ 1433 الموافق 10/03/2012
عدد الزيارات: 3490

إن من مقتضى الاختصار في الكلام أن يعود الضمير على ظاهر قبله، لكن إذا وُضِع الظاهر موضع الضمير، فإن هذا ـ عندي ـ نوع من الإطناب؛ جيء به لفائدة مهمة، فكل سياق يحمل من الفوائد ما لا يحمله السياق الآخر، وإن كانت هناك بعض الفوائد التي تُعدُّ أصلاً لا يكاد يختلف في هذا الأسلوب البلاغي، ومن ألطف الفوائد التي قد تمرُّ في أمثلة وضع الظاهر موضع المضمر = ( تعميم الوصف ).

انظر ـ مثلاً ـ قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران: 146 ـ 148).


وُضع الظاهر موضع المضمر هنا في موضعين:
الأول: قوله: (الصابرين)، ولو عاد الضمير إليهم لكان نظم الجملة: (والله يحبهم)، فعُدِل عن الضمير إلى الظاهر (الصابرين)، ليفيد تعميم محبة الله للصابرين، سواء أكان صبرهم على هذه الطاعة أم كان على طاعات غيرها.
الثاني: قوله (المحسنين)، ولو عاد إليهم ضميرًا لقال: (والله يحبهم )، وفي إظهار الضمير باسم (المحسنين) فائدة، وهي تعميم محبة الله للمحسنين سواءٌ أكان المحسن أحسن في جنس عمل المذكورين أم كان أحسن في عمل آخر من أعمال البرِّ والطاعة، وهذا لا يصلح أخذه من الضمير إلا من طريق القياس ـ إن صح ـ أما في الحال هذه فإنه يؤخذ من عموم اللفظ، وهو أقوى في الدلالة من القياس.
وقد يقول قائل: إن في ذكر الضمير تفويتًا لمحاسن الفاصلة، وهي من مقاصد الكلام البليغ.
والجواب عن هذا أن يقال: إن هذا صحيح بلا ريب، لكن اختيار لفظ (الصبر والإحسان) دون غيره مقصود من المتكلم سبحانه؛ لأنه يمكن أن يغني عنه في هذا المقام (المجاهدين، المقاتلين)؛ لأن السياق يتكلم عنهم، فلما عُدِل إلى (الصابرين، المحسنين) دلَّ على أن ذلك اللفظ بما يحتويه من معنى مقصود من المتكلم به سبحانه.
وبهذا اللفظ المختار لإتمام الفاصلة يكون قد تحقق الأمران: المعنى، وهو الأصل، ثم تتبعه الفاصلة، وهي فرع عن تمام المعنى. وهذه هي قاعدة علاقة المعنى بالفاصلة في القرآن الكريم، فلا تأتي الفاصلة نشازًا عن المعنى، أو تأتي فيما لا حاجة له بها، وهذا من بلاغة القرآن التي امتاز بها عن سائر الكلام.


 
أخذنا في مقاعد الدراسة حديثً عن أبي هريرة... ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع