| 24 مارس 2019 م
مفكرة الدروس
البث المباشر
أرسل سؤالك
اتصل بنا




لابد أن يكون أرقاماً



تفاصيل الموضوع


لقاء مجلة الإسلام اليوم مع فضيلة الدكتور مساعد الطيار

التاريخ: 29/08/1432 الموافق 30/07/2011
عدد الزيارات: 2765

حاوره: عبد الحي شاهين.

بداية كيف نمت عندكم عادة القرآءة واقتناء الكتاب؟ وفي أي مرحلة؟
لقد كان من نعم الله علي أن والدي حفظه الله قد درس في كلية الشريعة، ثم أخذ الماجستير بعد ذلك، وكانت عنده مكتبة لا بأس بها تضم نخبة من كتب العلم المهمة، كفتح الباري لابن حجر، وتحفة الأحوذي، وعون المعبود، وأوضح المسالك وغيرها.
وأذكر أني لما كنت في السابعة أصبت بحصى الكلى مما أقعدني في المشفى وقتاً، وكان بجواري مريض قريب من عمري وكان يقرأ قصصاً، فطلبت منه أن يعطيني لأقرأ وكانت هذه هي أو بداية لي مع القرآءة خارج إطار الكتاب المدرسي.
وفي المرحلة الخامسة والسادسة ثم المتوسطة كنت مغرماً بقراءة القصص. فقرأت منها كمّاً كبيراً، وكان من فائدتها عليّ أن جعلت الكتاب محبباً لي، حيث إني كنت أستغرب من أقراني الذين كانوا معي: كيف لا يقرأون هذه القصص التي كنت أراها ممتعة جداً.
وهاأنذا اليوم لا أزال مصاحباً لبعضهم فأجد الفرق بيني وبينهم في محبة الكتاب، فأحد أصدقائي المقربين مني ذهب معي مرة إلى معرض الكتاب الدولي في الرياض ورآني آخذ كتاب (نشوار المحاضرة) للتنوخي، فسألني عن الكتاب فأخبرته أنه كتاب أدبي فيه فوائد وحكم ومواعظ، فاقتناه رغبة منه بأن يقرأه، وكلما دخلت عليه مكتبته ذات الدرجين أجد الكتاب بكيسه المغلف لم يفتحه، وقد مضى عليه سنوات، فأمازحه وأقول: لعل أحد أحفادك يمزق هذا الكيس ليقرأ هذا الكنز الدفين.
ولما أن دخلت مرحلة الثانوية بدأ اهتمامي بكتب التراث وصارت عنايتي بها كبيرة وكنت أقرأ ما أراني أستطيع الاستفادة منه ككتب ابن القيم رحمه الله تعالى.


حدثنا عن مكونات مكتبتكم الخاصة وعن أهم الكتب الموجودة فيها؟
مكتبتي كأي مكتبة لطلاب العلم اليوم تتنوع فيها المعارف الإسلامية؛ من تفسير وفقه وحديث وتراجم وتاريخ وعلوم عربية..الخ. وقد كنت أشتري –كغيري- من دون ترشيد علمي ولا مالي، وإني لأنصح طلاب العلم اليوم ممن يحبون شراء الكتب ألا يشتروا بلا روية، بل أدعوهم إلى أن يحرصوا على شراء ما يرون أنهم سيقرؤونه أو أنه مرجع أساس في العلم لا يمكن أن تستغني عنه مكتبة طالب العلم –كالقاموس المحيط مثلاً-، أما أن يشتري كل ما يعجبه فإنه سيتعب في تتبعها وفي إعداد مكانها وفي قرآءتها وقلّ من يستطيع ذلك.
وكثيراً ما أقول: إن من أغرم بالقرآءة والكتب يحتاج إلى مال قارون ليستطيع شراءها وعُمر نوح عليه السلام ليستطيع قراءتها، وأنّى له ذلك؛ لذا أدعو إلى أن يُرشِّد طالب العلم من مقتنياته الكتبية، وإن كان متخصصاً فعليه أن يعتني بتخصصه أكثر من غيره ويأخذ من كل علم أفضل مراجعه.
ولم يبتلني الله –وله الحمد والمنة- بالعناية والبحث عن الطبعات القديمة والنادرة، وإن كانت توجد عندي بنزر قليل لا يكاد يُذكر، بل إن عنايتي تنصب على مدى استفادتي من هذا الكتاب؛ لذا لا أجد في نفسي –ولله الحمد- حرصاً على النوادر لأنها نوادر، وإنما أحرص عليها إن كانت تفيدني مباشرة، خصوصاً إذا كانت في تخصصي.
ولقد رأيت في بعض المجالس من يعد ما حواه من كتب نادرة وهو ليس ممن يُكثر من قراءة الكتب، ولا يظهر عليه أثر جمعه لها فتذكرت قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر) [التكاثر:1] إذ ليس المعنى ما تحتويه مكتبتك وإنما المعنى في كيفية وكمية استفادتك منها.
وأعرف بعض أفذاذ العلماء -كالشيخ عبد الكريم الخضيري– ممن عنوا بجمع الكتب وترى أثر القراءة عليهم واضحة بالتفريق بين النسخ ومعرفة مزاياها وعيوبها، وهو مطّلع عليها وقارئ لها فهذا ليس كحال الأول الذي حكيت أمره فالفرق بينهما واضح.


إذن مكتبتك لا تضم أياً من المخطوطات؟
لم يفتح الله عليّ بالعناية بالمخطوطات -مع نفاستها وفائدتها– وليس عندي منها إلا بعض المصورات التي أحس أني بحاجة إليها وأستطيع الاستفادة منها في تخصصي، لذا لا تحتوي مكتبتي على مخطوط أصلي أبداً.


هل تلقي الضوء على بعض الصعوبات التي واجهتك في جمع الكتب سواء داخل أو خارج السعودية؟
لا يخلو إنسان من مواجهة الصعوبات في الباب الذي فتح الله عليه فيه لكن كم هي اللذة التي يجدها إذا حصل له مراده؟!
وكذا هو الحال من اللذة التي تملأ فؤاد المتعلم عند حصوله على الكتاب الذي يتمناه.
وأذكر أن بعض كتب التوزيع المجاني كانت صعبة الحصول جداً نظراً لصغر سني آنذاك (المرحلة الثانوية) فأقف حائراً في طريقة الحصول على كتاب ما من هذه الكتب، وأذكر أني عملت بطرق شتى للحصول على نسخة من كتاب (تهذيب مدارج السالكين) لعبد المنعم العلي العزي، وكان يوزع في دار الافتاء آنذاك، ولما حصلت عليه فرحت به فرحاً شديداً وقرأته قراءة المتشوق له، مع أني قرأت في أصله قبل ذلك، لكن عناوين المهذِّب –حفظه الله- جذابة وذات مدلولات لطيفة، وكنت قد تأثرت بطريقته في بعض مسابقات البحوث، أو ما كان يطلب مني أثناء دراستي للمرحلة الثانوية.
كما أذكر من كتب التوزيع التي لا يمكن أن تطالها إلا بتوفيق الله كتاب (المحرر الوجيز) لابن عطية الأندلسي -رحمه الله-، فقد سافرت إلى قطر أيام السنة الثانية من الدراسة الجامعية مع اثنين من طلاب الكلية لنحصل على هذا الكتاب –أولاً- وعلى غيره من كتب التوزيع التي كانت توزعها وزارة الأوقاف بقطر إبّان إدارة الشيخ عبد الله النصاري -رحمه الله تعالى- وقد وفق الله فحصلت عليه.
ومن الصعوبات أن يكون الكتاب قد نفد وانتهى فلا يكاد يوجد، ومن ذلك أني جلست سنوات وأنا أبحث عن كتاب (المفصل في تاريخ العرب واليهود) للدكتور أحمد سوسة، وهو يهودي عراقي أسلم وألّف كتباً ماتعة في موضوع العرب واليهود، وقد حصلت عليه بعد سنين، ووجدت فيه نقداً لبعض القضايا التاريخية التي أفسدها اليهود في كتاباتهم وكتابات أتباعهم من الغربيين والعرب المتأثرين بالكتابات التوراتية.


هل تذكر التاريخ الذي قمت فيه بشراء أول كتاب في مكتبتك؟
أذكر أن اقتناء أول كتاب من كتب التراث كان في أول ثانوي وكان كتاب (تاريخ بغداد) ولا يزال الكتاب عندي في المكتبة.


هل لك عادات معينة في القراءة سواء من ناحية الوقت أو المكان؟
كانت عادة القراءة قبل ازدحام الأشغال من بعد صلاة الفجر وتمتد إلى ما شاء الله حسب ظروف النشاط والفراغ ثم بعد صلاة الظهر، ثم بعد صلاة العشاء بفترة حتى وقت النوم، هذه الأوقات هي الأوقات المعتادة لي في القراءة وقد يكون خلال غيرها من الأوقات لكنه غير منتظم.
أما اليوم فلا يكاد يصفو الوقت للقراءة الطويلة بسبب الانشغال بالتدريس داخل الكلية وخارجها. والانشغال بقراءة بحوث بعض الطلاب الذين يرغبون مني قراءة بحوثهم، والانشغال بالتدوين وكذا بالتعليق أو القراءة في (ملتقى أهل التفسير).
وأحب أن أنصح شداة العلم إلى أن يعتنوا بانتقاء مقروءاتهم وأن يُنفذوا قراءة الكتاب إلى آخره مهما طال، وأن يقيدوا الفوائد والمشكلات، فما يقيدونه فإنه هو العلم الذي يبقى لهم أكثر من شذرات المحفوظ الذي لا يسلم من الغفلة والنسيان وقت الحاجة إليه.


هل أنت من أنصار الإعارة وهل لك تجربة معها؟
نعم أن من أنصارها وأعتبرها نوعاً من زكاة العلم.
إن الإعارة شرٌ لا بد منه، لكن الذي يؤسف عليه وهو انخرام الكتب ذات الأجزاء، فكم من كتاب ذي أجزاء تجده مخروماً لا ترتاح إذا نظرت إليه وكأنك فقدت عزيزاً بلى هو عزيز!!!
وإن من أصعب الأمور التي لم أستطع الالتزام بها تقييد المُعار مع أني صممت دفتراً خاصاً لي وطبعته في المطبعة إلا أني لم أحسن التعامل معه والاستمرار عليه.
وأنصح المعير بالآتي – لعله يستفيد منها غيري لما لم أستفد-:
1-  ألا يعير جزءاً من الكتاب إذا كان من أجزاء.
2-  إن أعار فيحسن أن يضع مكان الكتاب المعار ورقة فيها معلومات المعار له، أو يضعها في دفتر خاص كما هو الحال عند كثيرين ممن يعيرون الكتب.
3-  أن يكون اسمه على الكتاب، لكي لا يضل المستعير ولا ينسى مع طول الزمن، وأذكر أني أعرت أحد الفضلاء كتاباً فنسي مع طول الزمن ثم أرسل لي كتاباً آخر على أنه لي وقال إن لم يكن هو الذي استعرته فهو هدية لك، لكن الكتاب كان عندي فلم أفرح به، وإن كنت أقدر للأخ تصرفه في اجتهاده وفي التعويض، ولو كان الاسم على الكتاب لما ضاع من بين الكتب فأنا لا أدري ماذا أعرت ولا هو يدري ماذا استعار.
وأنصح من يستعير أن يكون عنده درج خاص في مكتبته يجعل فيها الكتب التي يستعيرها، ولا يستعير كتاباً من صاحبه حتى يتأكد من وجود اسمه عليه.
ومن الطرائف التي مرت بي في الاستعارة أني أعرت أخي الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري تفسير ابن أبي حاتم (جزءان/طبعة مكتبة الدار) ولم يكن اسمي عليهما وكان قد صنع لنفسه ختماً جديداً فأعطى الإذن لأبنائه يأن يطبعوا هذا الختم على كتبه فلما جاءهم تفسير ابن أبي حاتم طبعوا عليه اسم أبيهم ولا يزال عندي بعد أن ردّه بهذا الختم.


هل تأثرت بالشخصيات التي كانت قريبة منك وأنت تتجه للثقافة والعلم؟
الجواب على هذا السؤال فيه صعوبة: لأنك تستفيد من عدد كبير من العلماء وطلاب العلم، فتكون تأثرت بكثير منهم قطعاً ولا يتسع المجال لذكر هذه التأثيرات لكن أذكر منه ما أراه يفيد القارئ:
لقد استفدت من بعض أساتذتي في الدراسة الجامعية، وكنت أحضر بعض مجالس العلم، وأستمع لبعض الأشرطة العلمية، وأجتهد في التحصيل، وكنت ألحظ بعض العلماء –كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله – يسير على قواعد علمية يذكرها في دروسه ويكررها، فأخذ ذلك الأسلوب في نفسي، ثم تفرغت للقراءة والتقييد، وكنت أحرص على القراءة في كتب التفسير وأحرص على تقييد الفوائد واللطائف، وأكثر من القراءة في الكتب التي تعنى بذلك، وكان من أكثر ما أرجع إليه منذ أيام الدراسة الثانوية كتاب (التفسير الكبير) للفخر الرازي، وإن كان فيه مسائل كثيرة أتركها لأني لا أفهمها، حتى وقفت على كتاب الطاهر بن عاشور أيام الدراسة الجامعية فبدأت أعتمده في القراءة لأنه يحقق المعلومات التي أريدها آنذاك.
وبعد التخرج من الجامعة وأثناء تحضير رسالة الماجستير إتفق أن أخي محمد بن عبد العزيز الخضيري في مكة، فطلبت منه أن يحضر لي نسخة من (تفسير الطبري) طبعة البابي الحلبي، فأحضرها لي ثم حصل أن حملت معي منه الجزء الأول والثاني في سفري لمكة فكان معي شهراً كاملاً أقرأ فيه قراءة متأنية، وأنا في ذهول من هذه المعلومات الرصينة، والقواعد العلمية التي يعمد إليها الطبري أثناء ترجيحه بين الأقوال؛ فعاد إليّ نفَس التقعيد الذي كنت ألحظه في دروس بعض المشايخ، وبدأت أركز على هذا الجانب في تفسيره وأجمع ما استطعت من قواعد الترجيح عنده حتى تكون عندي منها قواعد كثيرة، وصرت اقرأ كتب التفسير بنظرة أخرى بعد قراءتي لهذا التفسير العظيم وأحس أنه هو الذي بنى فيّ علم التفسير بناء صحيحاً، وكنت أعجب من إهمال هذا التفسير فلا يكاد يُذكر أثناء الدراسة الجامعية إلا بأنه كتاب آثار.
ثم عمدت إلى القراءة في تفسير ابن عطية الأندلسي فرأيت (محرراً وجيزاً) قد حمل علماً غزيراً من قواعد علمية وتوجيهات لأقوال السلف في التفسير، فاستفدت منه في هذا الجانب كثيراً وفتح عقلي على علم (توجيه أقوال السلف)، وحرصت عليه كثيراً فبان لي -ولله الحمد- صحة كثير من أقوالهم التي يعترض عليها من لا يفهم طريقتهم في التفسير.
وإنما ذكرت ذلك لأفيد من يريد القراءة في كتاب ما أن ينظر فيما يتميز به الكتاب؛ فيجتهد في تقييد هذه المعلومات ولا يهملها ويتركها على أنه سيرجع إليها مرة أخرى، فكتابة الفوائد تقييد لها وقد تفوت بفوات تقييدها.


في رأيك لماذا يلاحظ أن جيل اليوم من الشباب لا يهتم كثيراً بالقراءة واقتناء الكتب؟ ولماذا أصبحت المكتبات المنزلية أمراً نادراً؟ وإن وجدت فإنها تكون للزينة فقط!!
يبدو لي أن هذا الأمر هو الغالب على الناس، ومعلوم أن العلم مركبه صعب وكذا القراءة، فالأسف على الناس منه هذا تحصيل لما لا يلزم تحصيله، والأماني مطلوبة لكن ليس كل أمنية يمكن تحقيها.
والقراءة النافعة للإنسان في دينه أو دنياه هي الأقل في جمهور القارئين للكتب، وأرى أن ذلك قدر الله السائر في الناس منذ زمن ومهما تحسرنا على ذلك فسيرجع التحسر علينا، ولن ينفع في تغيير الواقع في شيء.
وأحب في هذا المقام أن نكون واقعيين مع أنفسنا ومع الناس من حيث فهم قدراتهم وواقعهم، فإننا لن نستطيع تغيير كثير من طبائعهم إلا بالجهد الجهيد ومن ذلك طبيعة الخمول عن القراءة.
وهناك طرق كثيرة قد تفيد في تعويد الناشئة على القراءة؛ كالمسابقات في معلومات كتاب ما، حيث يطلب منهم تخريج هذه المعلومات من هذا الكتاب، لكن هذه الأساليب لا يلزم أن تكون موفقة في تقييد الطالب بالكتاب فكم من هؤلاء من كبر وترك الكتب وراءه ظهره!! إن الأمر في نظري لا يخرج عن أن يكون هواية أو يكون حاجة ملحة عند المرء وإلا فنحن نرى من أصحاب التخصص من ترك القراءة والبحث والتحصيل وهو يملك أدواته، وما ذاك إلا لأنه لا يمتلك النَفَس القرائي، فلا تراه يقتني كتاباً ولا يحرص على متباعة الجديد في تخصصه، وأستميحكم عذراً في استطراد قصير أبثّه إلى أساتذتي وزملائي في تخصص الدراسات القرآنية فأقول: إن الله قد منّ علينا جميعاً بأن اختارنا لهذا التخصص الشريف الذي هو مطلب كل عالم، فحريٌ بي وبكم أن نحيي علوم هذا التخصص وأن نتفرغ له وألا تشغلنا الأمور الدعوية والاجتماعية وغيرها مما يمكن أن يقوم به غيرنا، وأن نجدد في هذا العلم ما نستطيع، فكم آسى على زميل لي ينشغل بلجنة إغاثة يمكن لغيره أن يقوم بها ويترك ما منّ الله عليه بالتخصص في القرآن وعلومه فلا يقوم بتعليم الناس والتأليف لهم في هذا المجال؟


كيف تنظر للإحصائيات التي تُنشر حول مبيعات الكتب في العالمين العربي والاسلامي وكذلك حول عدد الكتب التي تُطبع؟
نحن المسلمين ننظر نظراً لا ينظره غيرنا من البشر، وهذا النظر مرتبط بالنوع والكيف وليس بالكمّ والكثرة، ولا شك أنه لا موازنة بين ما يُطبع ويُقرأ في بلاد الغرب، وما يُطبع ويُقرأ في البلاد الإسلامية، لكن النوعية والجودة بالنسبة للمسلم هي فيما يفيده في حياته المعيشية وفي آخرته وهي الأهمّ، وأرى أن هذا النوع لا يمكن أن نوازن الغرب به فالنتيجة سترجح كفة ميزاننا عليهم بلا ريب.
لكن لما كان النظر إلى الكمّ والكثرة فإن بعضنا قد يندب حظ المسلمين في هذا الجانب وهو وإن كان فيه تقصير بلا ريب إلا أنه يحتاج إلى اعتدال في نقدنا لذاتنا وألا نكون من المثبطين، فها نحن نرى يوماً بعد يوم علماء يرتقون –بإذن الله- منابر العلم ويقودون الناس إلى الصراط المستقيم تابعهم أمم وتحيا بهم نفوس، وهؤلاء ممن أثرت القراءة فيهم وهم أهل قراءة وتعليم، فهذا النوع من العلماء وطلاب العلم هم الذين نبزّ بهم كل مجتمعات الأرض، ولله الحمد.
أذكر هذا لئلا يُغفل عن حال هؤلاء وعن أثرهم في الأمة ونحن نبحث عن الكمّ والكثرة.
وأجدني هنا أذكر بقول الله تعالى:  ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) [الرعد:17].


كيف تؤثر عادة القراءة واقتناء الكتب على المستوى الثقافي للمجتمع؟ وهل كل مجتمع قارئ هو بالضرورة مجتمع متحضر ومجتمع قادر على معالجة مشكلاته والرقي بمستواه الاجتماعي والاقتصادي؟
هذا السؤال فيه نقاط متعددة وأحب أن أفكك هذه النقاط فأقول:
أولاً: إن لفظة (التحضر ومتحضر وحضاري) يجب ألا تكون مقياساً لنا نقيس به أنفسنا، فعندنا المقياس الذي أنزله علينا ربنا وهو الشرع؛ لأن بعض ما يُنسب إلى الحضارة قد يكون مخالفاً للشرع، وأنا أعجب من بعضنا إذا صار يستخدم مثل هذه المصطلحات ويستعيض بها عن الأصل الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى، فصرنا نسمع (عمل إنساني) (عمل حضاري) فهل يا ترى سيكون هذا العمل موافقاً لما يريده الله منا؟
فإن كان كذلك فهو عمل شرعيٌ بالدرجة الأولى سواءً قدمته لمسلم أو لكافر أو لحيوان أو لغيرهم.
وأحس أن إدمان استخدام هذه المصطلحات مقاييس على أعمالنا؛ أحس أنه نوع من الانهزامية التي لا نزال نعيشها.
أما كون القراءة لها أثر في معالجة المشكلات فنعم، وهذا ظاهر بلا ريب، فكم من فكرة فرأتها في كتاب تكون حلًا -بإذن الله- لمشكلات تمر عليك، وكم من حكمة أو فائدة تطرب لها وتدونها فتجدك يوماً ما قد استفدت منها في حياتك وقس على ذلك حياة المجتمعات.
وأقول: إن الفرق ظاهر بين جماعة يجتمعون –وهم أهل قراءة- وجماعة ليسوا من أهلها: فالأولون تراهم ينتقلون بك من فائدة إلى حكمة إلى بيت شعر إلى قاعدة عظيمة، إلى قصة طريفة،...الخ، وذلك ما لا تجده عند الآخرين إلا نادراً.
ولا شك أن من منّ الله عليه بالقراءة فإنه ينفتح له من الثقافات والأفكار والفوائد ما لا يجده عند من لا يقرأ وإنه ليستطيع الرقي بمن حوله بتوظيف ما كسبه من هذه الأفكار.


كيف كان تأثير وجود مكتبة في المنزل على المستوى الثقافي للأسرة؟
إن وجود المكتبة النافعة في البيت بركة وقد تكون كاسرة لحاجز البعد عن الكتاب وعدم الاطلاع عليه، لكن لا يلزم أن تكون هي أساس حب القراءة فكم من الناس أحبوا القراءة وما كان في بيوتهم مكتبات وكم منهم من يكره القراءة وأبوه من أكثر الناس كتباً.
ومن خلال واقعي الصغير فإن مكتبة الوالد –حفظه الله- كانت هي نواة مكتبتي فقد زدت عليها – ولله الحمد- أضعافها ولضيق المكان تركت نصفها في ملحق في بيت الوالد وإخواني يجلسون فيه بين هذه الكتب ومع هذا لم ينشط أحدهم للقراءة ولم أر فيهم أي همّة نحوها مع تعليقاتي عليهم مرة بعد مرة في هذا المجال.
ومع ذلك فإن وجودها بركة فكم احتاج أحدهم مسألة عليمة فأرشدته إلى الكتاب الذي يقبع في الأدراج عنده وهو لا يدري به.


 
التفسير بالرأي بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ....
مركز تفسير الدراسات القراّنية
شركة فن المسلم لتصميم و برمجة المواقع